السيد الطباطبائي

16

تفسير الميزان

خالقها وخالق النظام الذي يجري عليها . وبذلك يظهر أن المراد بالناس المخاطبين الوثنيون وغيرهم ممن اتخذ لله شريكا . وقوله : " اذكروا نعمة الله عليكم " المراد بالذكر ما يقابل النسيان دون الذي الذكر اللفظي . وقوله : " هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض " الرزق هو ما يمد به البقاء ومبدؤه السماء بواسطة الأشعة والأمطار وغيرهما والأرض بواسطة النبات والحيوان وغيرهما . وبذلك يظهر أيضا أن في الآية إيجازا لطيفا فقد بدلت الرحمة في الآية السابقة نعمة في هذه الآية أولا ثم النعمة رزقا ثانيا وكان مقتضى سياق الآيتين أن يقال : هل من رازق أو هل من منعم أو هل من راحم لكن بدل ذلك من قوله : " هل من خالق " ليكون إشارة إلى برهان ثان ينقطع به الخصام ، فإنهم يرون تدبير العالم لآلهتهم بإذن الله فلو قيل : هل من رازق أو منعم غير الله لم ينقطع الخصام وأمكن أن يقولوا نعم آلهتنا بتفويض التدبير من الله إليهم لكن لما قيل : " هل من خالق " أشير بالوصف إلى أن الرازق والمدبر هو خالق الرزق لا غير فانقطع الخصام ولم يمكنهم إلا أن يجيبوا بنفي خالق غير الله يرزقهم من السماء والأرض . وقوله : " لا إله إلا هو " اعتراض بالتوحيد يفيد التعظيم نظير قوله : " وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه " . أي لا معبود بالحق إلا هو لان المستحق للعبادة هو الذي ينعم عليكم ويرزقكم وليس إلا الله . وقوله : " فأنى تؤفكون " توبيخ متفرع على ما سبق من البرهان أي فإذا كان الامر هكذا وأنتم تقرون بذلك فإلى متى تصرفون عن الحق إلى الباطل ومن التوحيد إلى الاشراك . وفي إعراب الآية أعني قوله : " هل من خالق غير الله " الخ . بين القوم مشاجرات طويلة والذي يناسب ما تقدم من تقرير البرهان أن " من " زائدة للتعميم ، وقوله :